محرك نفاث



 المحرك النفاث هو محرك ينفث الموائع (الماء أو الهواء) بسرعة فائقة لينتج قوة دافعة اعتماداً على مبدأ قانون نيوتن الثالث للحركة. هذا التعريف الواسع للمحركات النفاثة يشمل أيضا التوربين النفاث، والتوربين المروحي، والصواريخ، والنفاث التضاغطي، والنفاث النبضي، وأيضا المضخات النفاثة. ولكن باللفظ الشائع يُقصد بالمحرك النفاث: محرك بريتون لدورة التوربين الغازي، أو اختصاراً، التوربين الغازي ذي ضاغط الغاز المدعوم من دفع الهواء أو الماء له، والذي تنتج طاقته المتبقية الدفع أو القوة الدافعة. ألف الناس بأن التوربين الغازي يعرّف بأنه أحد التطبيقات المنفصلة عن المحرك نفاث، بدلاً من القول وبطريقة أصح بأنه جزء من المحركات النفاثة التي تشكل محركات احتراق داخلي دون أن تُظهر أي شكل من أشكال الاحتراق خارج المحرك.


تُستخدم المحركات النفاثة بالأساس للطائرات ذات المدى الطويل، فالطائرات القديمة كانت تستخدم محرك توربين نفاث لم يكن بذات الكفاءة المطلوبة مما حدا للطرز الحديثة من تلك الطائرات النفاثة باستخدام محركات توربين مروحي ذات تحويلة جانبية كبيرة، الأمر الذي ساعد على زيادة معدل السرعة والمدى وأمّن كفاءة أفضل لاستهلاك الوقود في تلك الطائرات من غيرها من مركبات النقل. حتى أن نسبة استهلاك تلك المحركات النفاثة من الاستهلاك العالمي بلغ 7.2% عام 2004.



ماقبل النفاث

يمكن تقفي جذور المحركات النفاثة إلى القرن الأول الميلادي، عندما اخترع هيرون الإسكندراني محرك بخاري بسيط أسماه "كرة إيولوس" (باللاتينية: Aeolipile) تيمنا بإله الرياح عند الإغريق، وهو يستخدم قوة البخار من خلال فتحتين نفاثتين متعاكستين، الأمر الذي يجعل الكرة تدور بسرعة شديدة حول محورها. ويقول الخبراء أنه ليس من الظاهر حتى الآن أن هذا المحرك استخدم لتوليد القوة الحركية، وإن أية تطبيقات عملية له لم يتعرف عليها أحد بعد، فيُعتقد أنه كان قد صُنع لمجرد الفضول لا غير.


ظهر الدفع النفاث، بصورة مجازية، مع ظهور الصواريخ عند الصينين بالقرن الثالث عشر، وقد بدأت الصواريخ بداية متواضعة حيث كانت تستعمل بالألعاب النارية، ثم تطورت بسرعة لتصبح شكل من أشكال الاسلحة، لتتوقف عند هذا الحد طيلة مئات السنين ولا يطرأ عليها أي تطور جديد. عام 1633، أقلع العالم العثماني لاجاري حسن جلبي مع ماوصف بصاروخ مخروطي الشكل وهبط هبوطًا رائعًا على الأرض باستخدام شكل من أشكال الأجنحة البدائية، مما جعل السلطان يكافئه على ذلك، فجعله في منصب رفيع بالجيش العثماني.


كانت الصواريخ البدائية بسيطة الصنع وغير فعالة لأداء السرعات المنخفضة، وبالتالي لم يكن بالإمكان استخدامها بالطيران. وبحلول عام 1930 كان العلماء قد ابتكروا المحرك المكبس ذي الأشكال المختلفة (القطر الثابت والقطر الدوار، المبرد بالماء أو بالهواء) فكان بهذا الشكل الوحيد المتوفر لاستخدامه في الطائرات في ذلك الزمن، ولقي قبولاً واسعًا بسبب انخفاض كفائة الطائرات التي كانت متوافرة حينئذ.


وفي وقت لاحق بدأ المهندسون يعون أن محرك المكبس محدود القدرة ولا يستطيع الوصول للحد الأقصى من الأداء الذي يمكن الحصول عليه، والحد يكمن أساسا بكفاءة المروحة التي تصل لذروتها عندما يقترب طرف المروحة من سرعة الصوت. فأدركوا أنهم إذا أرادوا تطوير كفاءة المحرك وكذلك الطائرة فلابد للقدرة أن تزداد وأن تتخطى الحواجز.


ولتحقيق ذلك، كان ينبغي إما تطوير تصاميم محركات المكبس، أو إنتاج شكل جديد مختلف تماما من مكائن الطاقة، وبهذا كانت تلك الحركة التطويرية قد تعدت مرحلة محرك التوربين الغازي وأنتجت ما يسمى بالمحرك النفاث، ويعتبر هذا الابتكار الثورة الثانية في عالم الطيران منذ طيران الأخوان رايت الأول.



بدايات النفاث الأولى

كانت تصاميم المحركات النفاثة الأولى تصاميمًا هجينة، حيث كانت مصادر الطاقة تستخلص أولاً بضغط الهواء ثم تُخلط مع الوقود للاحتراق لتولّد دفعًا نفاثًا للمحرك. صممت تلك المحركات الأولى على يد سكندو كامبيني وأطلق عليها تسمية النفاثات الحرارية، وتمثلت طريقة عملها بأن الهواء المضغوط عن طريق المروحة كان يُقاد بواسطة محرك المكبس التقليدي. ومن أمثلة هذه الأنواع تصميم قديم لهنري كواندا لمحرك طائرة كواندا،  1910 ثم كامبيني كابروني سي سي 2 عام 1940 والمحرك الياباني "Tsu-11" الذي استخدم في طائرات الكاميكاز. وعلى الرغم من هذا التطور في تصاميم المحركات النفاثة، والذي استمر حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، فإن تلك المحركات لم تحقق نجاحًا كليًا عندما وضعت موضع التجربة، فمحرك CC.2 الإيطالي على سبيل المثال الذي عمل عليه المصممون لفترة طويلة، تبين أنه كان أبطأ من بعض التصاميم التقليدية.


يعتبر التوربين الغازي المفتاح العملي للمحرك النفاث، فهو يستخدم لاستخلاص الطاقة من المحرك نفسه لإدارة الضاغط. أعطيت أول براءة اختراع للتوربين الثابت لجون باربر بإنجلترا عام 1791. كان أول توربين غازي ذاتي الدفع قد صنع في عام 1903 على يد المهندس النرويجي، ايجيديوس ايلنج، أما أول براءة اختراع أعطيت لمخترع محرك دفع نفاث، فكانت عام 1917. استمر التوربين الغازي بدائيًا حتى عقد الثلاثينات من القرن العشرين، حيث كان لمحدودية التصميم وقلة الخبرة بالتعامل مع المعادن التي تدخل في صميم صنع المحرك أثرها في عدم حصول أي تطور يذكر، كذلك كان هناك عدد من المشاكل الأخرى التي واجهت المصممين مثل تلك المتعلقة بالأمان ووزن المحرك ومدى قدرته على الاحتمال ومن ثم إمكانية استمراره بالعمل لفترة طويلة.


في عام 1923 كتب ادجار بكنجهام من المكتب الوطني الأمريكي للمقاييس تقريرا شكك فيه أن المحرك النفاث يمكنه أن ينافس اقتصاديًا الطائرات ذات المراوح بالارتفاعات أو السرعات المنخفضة وقال فيه: "لايوجد أي فرصة حالية تمكن المحركات ذات المراوح النفاثة من النوع الموجود أن تكون عملية وفعالة حتى بالمجال العسكري".


تنافس بريطانيا وألمانيا

عام 1929 عرض الطيّار المتدرج فرانك ويتل أفكاره عن التوربين النفاث بشكل رسمي إلى رؤسائه،  وحصل على براءة الاختراع بعد ذلك بسنة في إنجلترا واعتمدت عام 1932. أخرج هذا الاختراع للعالم ضاغط دفع محوري ذو مرحلتين يغذي ضاغط الطرد المركزي أحادي الطرف، وكان يركز على أبسط ضاغط بالطرد المركزي فقط. كان من نتيجة هذا الاختراع أن ظهر أول محرك يعمل على الوقود السائل ويحتوي على مضخة خاصة به عام 1937، وأثناء تجربة المحرك، صعق فريق ويتل عندما استمر المحرك بالعمل على الرغم من منع الوقود عنه، فتبين أن الوقود يتسرب داخل المحرك الذي لم يتوقف عن العمل حتى احترق جميع الوقود بداخله، لذلك لم يستطع ويتل أن يقنع الحكومة بجدوى اختراعه وهكذا استمر تطوير المحرك النفاث بوتيرة بطيئة.


في عام 1935 بدأ هانز فون أوهين العمل على تصميم مشابه بألمانيا، غير عالم بمحاولة ويتل السابقة على ما يظهر. كان المحرك التجريبي الأول لأوهين أكثر تكاملاً وعمل على الطاقة خارجية، إلا أنه لم يستطع اثبات المفهوم الأساسي للمحرك. وبعد هذه المحاولة قابل أوهين إرنست هيكل أحد كبار مصنعي الطائرات في ذاك الوقت وعرض عليه تصميم للمحرك الموعود. وكان هينكل قد اشترى لتوه مصنع هيرث للمحركات فخصص قسمًا خاصًا لأوهين ومسؤول الميكانيك ماكس هان اللذان شرعا بإنتاج وتشغيل الطراز الأول لمحركات HeS 1 في سبتمبر من سنة 1937، باستخدام الهيدروجين كوقود يضخ تحت ضغط خارجي. استخدمت التصاميم اللاحقة من شاكلة HeS 3 (بقدرة 5 كيلونيوتن) البنزين كوقود، وجهزت إحدى تلك الطائرات، والتي حملت اسم He 178، ليُصار إلى الطيران بها، فحصل ذلك على يد الطيار إيريك وارسيز في صباح 27 أغسطس سنة 1939، وكانت تلك أول طائرة تطير باستخدام محرك نفاث.


وبحلول تلك الحقبة الزمنية، بدأ العلماء والمسؤولون ينظرون إلى محرك فرانك ويتل بنظرة إيجابية ويأخذون فكرته على محمل الجد، وبدأت شركته المسماة محركات الطاقة المحدودة (بالإنجليزية: Power Jets Ltd)‏ تحصل على الدعم من وزارة الدفاع للمساهمة في مساعدته على إكمال مشروعه، وبتاريخ 15 مايو سنة 1941 طارت أول طائرة تحمل اسم جلوستر E.28/39 بمحرك من إنتاج شركة ويتل، بقوة دفع وصلت إلى 4 كيلونيوتن، وقد أطلق على هذا المحرك تسمية محرك W.1. واجه كل من محرك ويتل ومحرك أوهين مشكلة أساسية هي مشكلة الدفق بالطرد المركزي، وهي عبارة عن قيام الضاغط بدفع الهواء بقوة من المدخل الرئيسي إلى المحيط الخارجي للمحرك، حيث يُضغط الهواء مرة أخرى بواسطة تشكيله مجرى متباعدًا محولاً سرعتها إلى ضغط. كانت الفائدة من وراء ذلك التصميم أنه جعل المحركات النفاثة مفهومة التصميم بشكل أكبر، ومزودة بشاحن ذو طرد مركزي فائق للهواء، يمكن استخدامه على محركات المكبس.


وعلى الرغم من هذا التطور، إلا أن تقنية سرعة العمود الدوار للمحرك بقيت محدودة، فالضاغط يحتاج إلى قطر كبير حتى ينتج الطاقة المطلوبة، وهذا يعني أن المحركات تحتاج واجهة أمامية كبيرة نوعًا ما، وهذا غير مفيد لقدرة الطائرة بسبب ازدياد نسبة الاحتكاك مع الهواء بحال تم تضخيم واجهة المحرك، كذلك فإنه في هذه الحالة سوف ينحني مجرى الهواء خلال مقطع الاحتراق بشكل عكسي، ثم التوربين ومن ثم مجرى الذيل، الأمر الذي يشكل تعقيدا أكثر في عمل المحرك وانخفاضًا في مستوى كفاءته، ومع ذلك فإن لمحركات ويتل مزايا مهمة كخفة الوزن وبساطة الصنع والقدرة على الاعتماد عليها، وقد تطورت بسرعة لتواكب التصميمات الصالحة للطيران.


أقدم المهندس النمساوي أنسيلم فرانز من شركة يونكرز الألمانية على حل تلك المشكلات سالفة الذكر بابتكاره لضاغط دفع محوري، وهو بالأساس محرك توربيني معكوس، فالهواء يهب بقوة من الأمام نحو مؤخرة المحرك عن طريق منصة المراوح أو قنوات التقارب، حيث تكون قد تبددت أمام مجموعة مراوح ثابتة تُسمى قنوات التباعد، وتبين لفرانز في وقت لاحق أن تلك العملية لا تولد ذات القوة التي يولدها ضاغط الطرد المركزي، لذلك وضع عدد من تلك المراوح الثابتة والمتحركة بالتسلسل في سبيل الحصول على الضغط المطلوب، ومع تلك الإضافات المعقدة، بقي قطر المحرك صغيرًا نوعًا ما، مما أعطى ديناميكية أفضل للطائرة، فسُمي المحرك محرك جامو 004، وبعد حل الكثير من الإشكالات الفنية، أقدمت المصانع على إنتاج الكثير من تلك المحركات ابتداءً من سنة 1944، وجهزت على طائرات مسرشميدت، وهي أول طائرة نفاثة مقاتلة، ثم جهزت بها أول قاذفة قنابل نفاثة. كان هناك عدد من العوامل التي سببت تأخير توفير تلك المحركات، منها التعطيل عمداً من قبل بعض المهندسين الألمان الذين لم يرغبوا بوصول تلك التصاميم أو الأفكار إلى يد الحلفاء كي لا ينتجوا طائرات من شأنها أن تساهم بالحرب على ألمانيا وقصف مدنها بشكل أكثر فعالية أواخر الحرب العالمية الثانية، وعند نهاية الحرب أخذ الحلفاء المنتصرون تلك التقنية الفنية وعملوا بها وطوروها وأدرجوها في طائرات الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي النفاثة. ما يُستفاد من إرث محركات الدفق المحوري هو بالواقع أن جميع المحركات النفاثة على الطائرات ثابتة الأجنحة قد استلهمت من ذلك التصميم الأم. 

ما بعد الحرب


طورت محركات دفق الطرد المركزي من تقنية الارتكاز، فازدادت سرعة عمود الدوران الرئيسي بالمحرك، وتقلص قطر ضاغط الطرد المركزي. يعتبر المحرك الأقصر من مميزات هذا التصميم، وهو يُستخدم في الطائرات المروحية بشكل خاص، حيث يعتبر حجم المحرك أكثر أهمية من الواجهة الأمامية، وحيث تكون مكونات المحرك أكثر قوة وأشد متانة، وحيث يعتبر ضاغط الدفق المحوري أكثر عرضة للأجسام الغريبة المخربة.


كان استعمال المحركات النفاثة قد أصبح واسع الانتشار في عدد من أسلحة الجو حول العالم بحلول عقد الخمسينات من القرن العشرين، ولم يدخل استعمال هذه المحركات في نطاق الطائرات المدنية بشكل عام إلا بحلول عقد الستينيات، عندما أصابت حمى التطوير محركات المراوح التوربينية فأخرجت المحرك المكبس من النظام بأكمله وجعلته مخصصًا للطائرات الصغيرة المخصصة للخدمات العامة.


استمرت كفاءة المحركات النفاثة سيئة جدا في بعض الأحيان خلال العقد المذكور، وبحلول عقد السبعينات قام المهندسون بحل الكثير من المشاكل عن طريق استخدام مكائن نفاثة ذات تحويلة جانبية عالية، فاستطاعو التغلب على مشاكل الارتفاع والسرعة العاليين في محركات المكبس والمحركات المروحية، واستطاعوا أيضًا حل مشكلة كفاءة الوقود.

مشاركة

ليست هناك تعليقات:

جميع الحقوق محفوظة لــ علوم العرب 2019 ©